سعيد حوي
305
الأساس في التفسير
أُمَّةً وَسَطاً في المكان . . في سرة الأرض ، وفي أوسط بقاعها . وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب ، وجنوب وشمال . وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا . وتشهد على الناس جميعا . وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة ، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك ، وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء . أُمَّةً وَسَطاً في الزمان . . تنهي عهد طفولة البشرية قبلها . وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها . وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها ، وتصدها عن الفتنة بالعقل والهدى ، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات ، ورصيدها العقلي المستمر في النماء ، وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك . وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها ، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها . واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها ، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها . والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحده . وأمة تلك وظيفتها ، وذلك دورها خليقة بأن تتحمل التبعة وتبذل التضحية ، فللقيادة تكاليفها ، وللقوامة تبعاتها . ولا بد أن تفتن قبل كل ذلك ، وتبتلى ليتأكد خلوصها لله وتجردها ، واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الرشيدة . 2 - ومن كلام صاحب الظلال في تبيان الحكمة في اتخاذ القبلة وتمييز قبلة المسلمين عن غيرهم يقول : إن الاختصاص والتميز ضروريان للجماعة المسلمة : الاختصاص والتميز في التصور والاعتقاد . والاختصاص والتميز في القبلة والعبادة . وهذه كتلك لا بد من التميز فيها والاختصاص . وقد يكون الأمر واضحا فيما يختص بالتصور والاعتقاد ، ولكنه بهذه الدرجة من الوضوح فيما يختص بالقبلة وشعائر العبادة . . هنا نعرض التفاتة . إلى قيمة أشكال العبادة . . إن في النفس الإنسانية ميلا فطريا ناشئا من تكوين الإنسان ذاته من جسد ظاهر وروح مغيب ، إلى اتخاذ أشكال ظاهرة للتعبير عن المشاعر المضمرة . فهذه المشاعر المضمرة لا تهدأ ولا تستقر حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس ، وبذلك يتم